زكريا القزويني

297

آثار البلاد واخبار العباد

ولصنّاعها يد باسطة في تدقيق الصناعات ، لا ترى خطوطا كخطوط أهل أصفهان ولا تزويقا كتزويقهم ، وهكذا صنّاعهم في كلّ فنّ فاقوا جميع الصّنّاع ، حتى أن نسّاجها ينسج خمارا من القطن أربعة أذرع وزنها أربعة مثاقيل . والفخّار يعمل كوزا وزنه أربعة مثاقيل يسع ثمانية أرطال ماء ، وقس على هذا جميع صناعاتهم . وأمّا أرباب العلوم كالفقهاء والأدباء والمنجّمين والأطباء فأكثر من أهل كلّ مدينة ، سيما فحول الشعراء أصحاب الدواوين ، فاقوا غيرهم بلطافة الكلام وحسن المعاني وعجيب التشبيه وبديع الاقتراح ، مثل رفيع فارسي دبير وكمال زياد وشرف شفروه وعزّ شفروه وجمال عبد الرزّاق وكمال إسماعيل ويمن مكّي . فهؤلاء أصحاب الدواوين الكبار لا نظير لهم في غير أصفهان . وينسب إليها الأديب الفاضل أبو الفرج الأصفهاني ، صاحب كتاب الأغاني ، ذكر في ذلك أخبار العرب وعجائبها وأحسن أشعارهم . كتاب في غاية الحسن كثير الفوائد لم يسبقه في ذلك أحد . وينسب إليها الأستاذ أبو بكر بن فورك ، كان أشعريّا لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، درّس ببغداد مدّة . وكان جامعا لأنواع العلوم ، صنّف أكثر من مائة مجلّد في الفقه والتفسير وأصول الدين . ثمّ ورد نيسابور فبنوا له دارا ومدرسة ؛ قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : حكى أبو بكر بن فورك قال : حملت إلى شيراز مقيّدا لفتنة في الدين ، فوافينا البلد ليلا فلمّا أسفر النهار ورأيت في مسجد على محرابه مكتوبا : أليس اللّه بكاف عبده ؟ فعلمت أن الأمر سهل وطبت به نفسا ، وكان الأمر كذلك ، ثمّ دعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات مع الكرامية . فلمّا عاد سمّ في الطريق ودرج ودفن بنيسابور ، ومشهده ظاهر بها يستسقى به ويجاب الدعاء فيه . وينسب إليها الحافظ أبو نعيم الأصفهاني ، واحد عصره وفريد دهره . هو صاحب حلية الأولياء ، وله تصانيف كثيرة ، وله كرامات : حكي أن أهل